الخميس، 16 فبراير 2023

الطير

كنا عندما يتحسن الطقس وتخف الرطوبة في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) نقضي والدتي وانا صباحات مميزة على الارجوحة ذات المقعدين تحت السقيفة المظللة بشجرة التمر الهندي لنستمتع بجمال الحديقة وخاصة شجرة التين البنغالي (شجرة البنيان) التي يبدأ وقتها تساقط ثمارها التي تجاوزت مرحلة النضخ وتحملت بالكثير من العصارة ذات اللون الأحمر الغامق. وفي لحظة ما ينطلق صوت زقزقة معدنية مميزة ويسقط "الطير"  كما دأبنا على تسميته قبل أن اعرف أن اسمه "الذعرة" وكنيته "ابو الفصاد" وسرعان ما يحط زوجه ويبقيان على مقربة من بعضهما يجريان على الأرض بخفة مع حركة الذيل المضحكة التي تميزهما. 

سنة بعد سنة كنا نراهم حتى صرنا تنوقعم ونتساءل إن تأخروا أين هم؟ وسرعان في ظرف أسبوع أو اقل يظهروا في نفس مكانهم وبنفس عاداتهم .

مضت السنين وقطعت شجرة التين بدعوى تخريبها للبلاط وكأننا لا نستطيع تشكيل البلاط ليتأقلم مع نمو الشجرة، ربما البلاط أهم من الشجرة الظليلة. وبعد سنين مرضت أمي وصار نزولها للحديقة مرهقا لها ثم انتقلت إلى جوار ربها وبعد بشهر فقط ماتت شجرة التمر الهندي التي زرعتها بيدها من بذرة. واستمر أبو الفصاد يأتي ولكنه في السبع السنين الأخيرة لم يعد يأتي بأزواج بل منفردا حزينا ربما  على وليف له  قتلته رصاصة عابثة أو ربما على ضياع الكثير من الموائل التي اعتادها في طريق هجرته ـ اشجار قطعت وديان اثقاتها اطنان النفايات، بحيرات ملىء بالسموم.. 

ربما هذه السبع السنين العجاف التي اتقضت وسينتهي عبث القنص للتسلية والتخريب، وسنبدأ صفحات جديدة في توفير اماكن جميلة لاستبقال ضيوفنا الاعزاء من ذوي الريش.