الأربعاء، 8 يوليو 2026

التمرة الرشيقة في كورنيش جدة

 أفتقدها كثيرا في حديقتي كما افنقد الشولة السوداء والحساسين فضية المنقار، وهذا العام لم أر صغير النغري حتى الان. وصار لدي زوج فقط من التميرات المفرخة. وبالمقابل ازدادت ازواج المينا وزاد ضجيجها وعلا صراخها على طقطقات دخلة الزيتون التي كان صوتها يدلني على مكانها.

في كورنيش مسجد العناني اسعدني جدا ان اسمع التمرة الرشيقة وأرى الذكر يتراقص أمام عروسه ويقف على مجاثم عالية ليطلق تغريداته العالية ذات الصليل المعدني التي تعلو على نعيق الغربان التي بدورها طردت النوارس من الشاطىء الذي كان يوما المكان الذي تختاره لترتاح مع صغارها.

وذات صباح جاءت التمرة ووقفت تغرد ثم انتقلت لمكان أخر وانطلقت تغرد فلحقت لها ثم  إلى مكان ثالث ثم دخلت أحد الاجمات وصارت نبرة نداءها منخفضة هادئة. واليوم التالي كررت نفس التسلسل فعرفت أن هناك العش. 

جلست أفكر ما أصعب ما عليها أن تواجه لتربي الصغار إن نجح العش. قررت أن لا أقترب أبدا من ذلك المكان لعلي لا ألفت نظر الغربان والمينا له وما أكثرهم وما أشد توحشهم. فهم أيضا في وقت تفريخ ورعاية صغار.

المشكلة أن الأشجار في الحدائق تقلم باستمرار بشكل جائر ، وكذلك الاجمات  مرة أو أكثر كل شهر والمفترسات كثيرة.

ما أصعب أن يفقد أي كائن وطنه.






وهنا فكرت في طائر المينا الذي أخرج من وطنه وجيء به إلى بلاد غريبة ضجت به وكرهته كرها شديدا وشنت عليه حملات إبادة لا تبق ولا تذر. 

هو لم يختر ترك موطنه ولا غريزته تألف السفر كالطيور المهاجرة، فهي غربة فرضت عليه وحرمته من ضمن أمور كثيرة من صديق لدود يشاركه موطنه وهو طائر الكويل، الذي كان يتطفل على أعشاش المينا ليضع بيضه.

في الظاهر يبدو هذا أمر سىء لأنه بذلك يجعل المينا يعتني بفراخ الكويل على حساب فراخه. ولكن هذا التطفل جعل أعداد المينا لا تتضخم في موطنه كما تتضخم في البلدان التي يعيش فيها دخيلا. وهو بحكم فطرته مجبول على تكرار محاولات التعشيش طوال السنة، وكل حضنه قد تحتوي على 3 بيضات أو 4 وليس هناك عدو يقلل أعدادها فتظهر الفراخ التي تكون شديدة التطلب وفي مكان مثل جدة يقل فيها الشجر والنبات مقارنه بغابات الهند  فلا حل أمام الوالدين إلا التوحش تجاه جميع المخلوقات التي تشاركها المكان. 

ولشرح الامر بصياغة مقننة، لنفترض أن المينا يعطي ثلاث حضنات في العام، وكل حضنة تتكون من أربع بيضات أي 12 بيضة في السنة. من المنطقي الافتراض أن بعضها لن ينجح، وليكن هذا حوالي الربع أي حصيلة حضنة تقريبا، أي أن المتبقي 9 بيضات. ولو نجحت أنثى الكويل في ترك بيضة في أحد الأعشاش فإن فرخها الذي ترعاه المينا سوف يكبر لحجم مضاعف مقارنة بحجم فراخ المينا، وفي مرحلة ما سيلقي بهم خارج العش وبذلك يفقد الأبوين حصيلة حضنة أخرى. أي أن المتبقي من 12 سيكون خمسة على أحسن تقدير. 

أما في حالة ازواج المينا المغتربة فإن عدد الفراخ التي يمكن أن تبقى قد يصل إلى تسعة وقد يكون أكثر فليس للمينا أي عدو حقيقي في كثير من البلدان سوى الغراب الهندي والحدأة سوداء الجناح، الزُرّق.  وهذا ما يجعل اعدادها تتضاعف كثيرا. 

وجود عدد كبير من الفراخ أي نجاح الحضنات يعني ضغطا كبيرا على الأبوين لإطعامهم في بيئات يقل فيها التنوع الاحيائي مقارنة بغابات شبه القارة الهندية. . 

وقد عرف عن المينا في موطنه براعته في صيد الحشرات والمفصليات والزواحف الصغيرة لذلك كان جلبه إلى جزيرة موريشوس حلا مناسبا للتخلص من ملايين الحشرات ومثات ألوف الزواحف التي وجدت نفسها بلا مأوى حين قرر مستعمروا الجزيرة إزالة غاباتها الطبيعية وتحويلها إلى مزارع لقصب السكر. كانت الغابات تؤوي الكثير، فالأشجار نظم بيئية كاملة تدعم عديد من أشكال الحياة، كل هذه الكائنات فقدت عائلها الاساسي وليس لها مكان أخر تلجأ اليه، فالجزيرة معزولة أقرب يابس لها جزيرة مدغشقر وهي بعيده لا تصلها الزواحف و المفصليات بكل تأكيد وإن وصلت إليها بعض الحشرات الطائرة فإنها ستجد غطاءا نباتيا لا تعرفه. مأساة حقيقية تم التعامل معها بطريقة أدت إلى مأسي أخرى، فبعد أن استقر المقام للمينا وسيطر على الحشرات وجدت طيور الجزيرة المنكوبة نفسها بلا غذاء تألفه وقد فقدت ما اعتادت من غطاء نباتي وصار عندها عدو جديد يضاف إلى قائمة طويلة من الأعداء على رأسها الإنسان الجشع. 

وتبدو جزيرة موريشوس نموذحا مثاليا لمعضلة المينا، وردا مفحما على من يقترح أن تترك بلا مكافحة كأمر واقع. 

وتأتي تجربة أستراليا في مكافحة طير المينا لتؤكد أن التخلص منها بشكل كلي أمر مستحيل. 

والحديث عن طريقة التعامل مع مشكلة المينا أمر موكول للمختصين في علوم الأحياء والبيئة، ولست منهم. 

وكان الله في عونهم بين مدافع يجد القتل اعتداء والفريق الآخر المتحمس للانطلاق في عملية إبادة لا تبق ولا تذر.

وحتى يأتي الحل عليك إن وجدت عشها أن تتصرف كأنك فرخ كويل.

الجمعة، 3 يوليو 2026

خواطر من مقابلة مع الاستاذ محمد اليوسفي

 قامت قناة المجد بمقابلة شيقة مع الاستاذ الكبير محمد سليمان اليوسفي. الذي قد يكون من الانصاف وصفه بـ اتنونبرا العرب. 

مجرد الحديث عن قامة كبيرة مثل الاستاذ اليوسفي شرف كبير وهو بحق غني عن التعريف ويكفيه ما يقدمه من محتوى شيق في مجال البراري والحياة والفطرية وهذا مجال  شغف به الناس في السنين الاخيرة، فكان له السبق في قناته  المميزة التي يطرح فيها مواضيع بيئية بصوته الأبوي الرخيم ولهجته النجدية الفصيحة التي تخترق كل الحدود في عالمنا العربي.


الصورة من موقع طبيعة السعودية

ما استوقفني في المقابلة جانبان وجدت أن اناقشهما.

الجانب الأول فيما يتعلق عن السبب الذي أدى إلى انقراض الوضيحي أو المها العربي بشكل تام من الجزيرة العربية في حقبة السبعينات. وقد أفاد الاستاذ اليوسفي بالسبب بشكل أكد لي ما ذكره الاستاذ جهاد الرملي أطال الله في عمره وبارك فيه.

تعرفت على الاستاذ جهاد من خلال منصة فيس بوك فقد كان من الأوائل الذين دعموا مجموعة طيور المملكة وجيرانها بالصور والمعلومات. والاستاذ جهاد كندي من أصل فلسطيني عاش في المملكة العربية السعودية من اواخر خمسينات القرن العشرين حتى نهاية السبعينات. 

كانت بداية الأستاذ جهاد  مع شغف الطيور منذ الخامسة من عمره حين تبادل نظرة حذرة وسريعة مع دوري وقف على الشرفة،  هذه النظرة كانت كافية لتجعله يبتسم كلما شاهد عصفورا. وبإذن الله لنا وقفات مع الاستاذ جهاد قريبا.

وما ذكره الاستاذين الكبيرين يتوافق مع ما كنت أسمعه من كبار العائلة الذين رحل معظمهم، منهم والدي وجدي لأمي رحمهم الله وغيرهم وهذه بعض النقاط.

1-  الاحساس بالذهول من تدرج اللون الازرق وصفاء المياه في الشواطىء وحتى لمن يرتاد البحر بالقارب ذلك الصفاء الذي معه يمكن مشاهدة الأسماك وكأنكم تشاهدها خلف زجاج نقي عالي الصفاء .

2- مشهد الغزلان بعد الفجر التي تأتي قرب طريق مكة - جدة لتراقب السيارات فقد كان ذلك مشهدا جديدا غير مألوف لها أن ترى تلك الكائنات الحديدية التي تطلق هديرا عاليا وغازات لا تبعث على الارتياح. 

والغزلان قبل رصف المسعى كانت تنزل اليه من جبل أبي قبيس بعد صلاة الفجر. وتعود للجبل بعد الاشراق. 

تم رصف المسعى عام 1345 هجرية الموافق 1925 ميلادي في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله.

اليوم لاتوجد غزلان في كل مكة مع أن معظمها حرم يحرم فيه الصيد والتنفير للمحرم والمحل كل شهور العام.

3-وعي السكان المحليين خاصة صيادي السمك بضرورة عدم البناء على الشواطىء مباشرة  والإرتداد بمسافة تعطي الراحة للطيور حتى تعشش دون إزعاج. هذا رغم ان بيوتهم او استراحاتهم لم تكن الا مظلات من مواد بسيطة جدرانها ربما من الصفيح وليس لها دعامات تخترق الارض.

4- العلاقة بين سكان القرى وأهل الحلال وما بين المفترسات مثل النمر العربي لم تكن علاقة عداء على الإطلاق فتوفر غذاءه المفضل مثل الغزلان والوعول لم يجعله بحاجة لمهاجمة الماشية.

5- أسراب القميري التي تصل إلى بضع الآف حين تصل إلى المدن وتملاؤها بأصواتها المحببة

6-  أعداد كبيرة من طائر النحام تقف في المياه الضحلة لميناء جدة الاسلامي ويراها الواصلون من الحجاج وكانها ترحب بهم.

7- وما أجمل الاسماء التراثية لطيورنا مثل أم سالم والطقيق وام غنيمان والشنقيحة والنغري

وهناك نقاط أخرى.

ولكن الصورة لم تكن ناصعة تماما فقد كان توفرت سيارات تستطيع اختراق الطرق غير المعبدة مع كثير من مهندسي وموظفي شركات التطوير من ذوي الجنسيات الاوربية والامريكية ما جعل تسليتهم الأولى في أيام اجازة آخر الاسبوع هي الصيد، وكان الصيد يهدف إلى قنل أي شيء يتحرك!

ولسنا هنا في معرض الإساءة لأي أحد ولكنها حقائق مؤسفة ، ذكرها أو التذكير بها غرضه العظة ورسالة للصيادين الذين بدءوا من الآن في شحذ أسلحتهم وتجهيز الشباك العملاقة لخنق أسراب الدخل منذ اللحظات الاولى لعبورها حدود بلادنا الحبيبة.

لهم نقول ما كان هذا سالف أبائنا وأجدادنا واسالوا أهل المقناص الحقيقيين لتعرفوا أن الصياد الحقيقي في سالف الزمان.

لم يستخدم الشباك 

لم يقتل الطيور التي تتشابه فيها الذكور مع الاناث.

لم يخرج للصيد أوقات التزاوج

"في ذلك الزمان كان الصيد لغير حاجة "من خوارم المروءة.

ونقول أيضا أن دولتنا الحبيبة قد سنت عديد من القوانين تهدف لاستعادة كثير مما فقدنا، وهنا نؤكد لأبناءها المتحمسين في انتظار الموسم، بكم وبتعاونكم سنصل باذن الله لوضع مشرق كالذي ذكرناه في شهادة من عاش في أزمان إزدهار الحياة الفطرية،  ربما سيستغرق الأمر مدة ولكن دعونا نترك شيئا جميلا لأبناءنا وأحفادنا.

التزموا بالقوانين فقد فَصلت في أنواع السلاح المستخدم والذخائر وأماكن المنع والأنواع المسموح صيدها وأعدادها.

كونوا عونا لحكومتنا في تطبيق إلزاماتها في الإتفاقيات الدولية التي وقعت عليها وصارت طرفا مهما فيها. فالطيور المهاجرة تراث انساني مشترك. والكريم يحسن وفادة ضيوفه وأن كانوامن ذوي الريش.

والجانب الثاني، وهو التساؤل عن غياب عشاق البراري عن الرحلات البرية فترة الصيف. 

الاجابة واضحة، هذا وقت الحر والحر يزداد فترة العصر بسبب تأثير التراكم الحراري . والحر يهجم سريعا حتى قبل الساعة الثامنة صباحا. والحر مهلك للصحة، وللضربات الشمسية عواقب وخيمة.

وهذا برنامج مقترح لرحلة برية لا نتعرض فيها للحر المهلك.

اختر رفقة طبية "فالراكب شيطان"  ثم حاول أن تجد موقعا بعيدا عن الأضواء المبهرة للمدن قدر الإمكان. واحرص أن تصل هناك ساعة قبل الفجر على الأقل. 

في هذه الساعة عدد من المميزات

انها أبرد ساعات اليوم

وفيها تكون النجوم وأجرام السماء في قمة توهجها وهي الساعة المثالية لرصد زخات الشهب وكوكبات النجوم ومثلث الصيف 

وفي هذه الساعة وقت عظيم ينزل فيه الله عزوجل إلى السماء الدنيا وقد يكون لك فيها دعوة تغير حياتك 

ابحث قرب الفجر عن الخيط الأبيض وهو أول ضوء للصباح فمن رأه قال انه من أجمل ما يمس الروح من مشاهد.

صلِ الفجر واستمع إلى أصوات استيقاظ كائنات الصحراء فإذا زاد الضوء يمكنك عمل هايك جميل لاكتشاف ما حولك، هذا المشي يمكن ان يمتد لما بعد الاشراق بساعة بعدها ستظهر بوادر الحر.

لا تترك مع رفقتك في المكان سوى آثار نعليك. وإن أعجبتك التجربة وقررت أن تكرارها فلتترك في زيارتك القادمة صحن من المياه النقية فوصول الطيور المهاجرة صار قريبا. وهذا الصحن سيجعلك تكرر الزيارة قريبا.

وتذكر أن هذا الوقت غالبا ما تكون تقضيه وانت تقلب فيما لا ينفع مما تتقاذفنا به أمراج وسائل التواصل الاجتماعي.