مع دخول شهر مارس أدركت أن اتجاه دخول الشمس من بين الأغصان العليا للأشجار في الطرفين الجنوبي والشرقي للحديقة قد تغير عما كان عليه في الشهرين السابقين، وهذا يعني أن أغير مكان جلوسي بما يتلاءم مع توزيع الإضاءة مع الأخذ في الاعتبار المناطق التي صارت مفضلة لزوار هذا الشهر الذين بدءوا بالوصول.
اخترت منطقة تكشف منطقة الشجيرات المزهرة من ريحان واكزورا وفيها أحد أحواض الماء. وضعت الكرسي وبقيت أراقب، وسرعان ما غرقت في أفكاري التي سرحت بي بعيدا لأفيق على صوت زقزقة عالية بدت قريبه رفعت رأسي لأجد عصفورة دوري على أحد الأغصان المتدلية من الشجرة أمامي ابتسمت فمن المعروف أن شهري فبراير ومارس هما شهري الدوري وفيهما تعلو الزقزقات التي لاتنقطع وفيهما تتراقص الذكور أمام بعضها في استعراضات جميلة صاخبة تنطلق هنا وهناك قد تطول لمدة تصل إلى دقيقة. والحقيقة أن الزقزقات كانت من كل مكان مختلطة مع زقزقات الحباك ومواء التمير ونداءات المينا المتنوعة مع فواصل من أصوات النغري المزمارية التي ترتفع بين فينة و أخرى. وهذا هو الربيع في الحديقة متعة ما بعدها متعة، كم أشفق على من اختار ان يقطع اشجار حديقته ويستبدلها ببلاط أو صبة من الاسمنت.
وما هي إلا برهة حتى أدركت أن الزقزقة التي لفتت انتباهي لها طابع فيه شي من الاصرار مختلف عن الزقزقة العادية و أن العصفورة لم تبرح مكانها وبدون مقدمات ما أن حدث تواصل بصري بيننا حتى حطت أمامي مباشرة على غصن غليظ مثبت على الارض كنت استخدمه لوضع حامل للطعام الذي أضعه للطيور، كان الحامل فيه طيق زجاجي صغير لوضع زبدة الفول السوداني وعليه أثبت قطعة كعك من ناحية وشريحة من التفاح أو البرتقال من ناحية أخرى. كان بيني وبين العصفورة أقل من نصف متر، حطت لتطلق زقزقة احتجاج على وجودي بهذا القرب من مكانهم المفضل. ثم غادرت لتعود إلى الغصن العلوي. وهنا فقط أدركت خطائي، فقمت مبتعدة ولم انس أن انظر خلفي لأراها قد نزلت لتخطف قطعة خشنة زبدة الفول السوداني وتطير داخل الشجرة، واعتقد انها كانت تأمل أن أكون على قدر كاف من الذوق فلا أعود .
